السبت، 13 يونيو 2009

بدينار واحد فقط

بدينار واحد فقط



محمد طفل يبيع العلك تحت شمس الظهيرة الحارقة، وفي شارع آخر يمارس أخوه «العمل» نفسه لتكون الحصيلة آخر النهار بضعة دنانير. إنهما طفلان من ثمانية، لأب عاطل عن العمل يريد أن يعلم أبناءه ويحلم أن يراهم مهندسين ومدرسين وأطباء، لكن ضيق ذات اليد بعد تسريحه من عمله منعه من إدخالهم جميعا المدارس. اختار أبو محمد أهون الحلول.. فقرر أن يلتحق واحد من أولاده الذين في سن التعليم بالمدرسة لسنة بينما يعمل أخواه في الشوارع، ثم في السنة التي تليها يدخل محمد إلى المدرسة بينما يخرج أخوه إلى الشارع، وهكذا...
هذه القصة تدور أحداثها في بلاد الخير.. في الكويت. مدارس خاصة تمنع طلبتها من دخول امتحانات الثانوية العامة، ومدارس تمنع شهادات النقل عن طلابها، وطلاب يُخرجون من صفوفهم ويُهانون أمام زملائهم لعدم سدادهم القسط المدرسي. ولقد قمت بزيارة مدرسة واحدة من تلك المدارس واطلعت على أسماء العشرات من الطلبة في العديد من المراحل الدراسية وهم على أبواب الامتحانات بانتظار رحمة أصحاب المدارس أو تبرعات أصحاب النفوس الكريمة.
من المعيب أن نعيش في دولة نفطية وإسلامية بينما هناك أطفال يمنعون من الدراسة لأسباب مادية. ومن المخجل أن يحرم طفل من حقه في التعليم بسبب عبقرية وزارة التربية التي استحدثت قانوناً في التسعينات يلغي التعليم المجاني عن أبناء المقيمين والبدون، على الرغم من الوفرة المادية التي منّ الله بها على الكويت. فمن غير المعقول أن تمتد أيادي الكويت الخيرة إلى أقصى بلدان العالم، وتشمل تبرعاتها مختلف أنواع الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية، وحتى الإعلامية والفنية، وتتجاهل واجبها في تعليم أطفال لا ذنب لهم إلا فقرهم.
المسؤولية الآن تقع على البرلمانيين الجدد في إبعاد الصحة والتعليم عن نظريات الربح والخسارة الاقتصادية، فكلاهما مجال إنساني، ومن حق كل شخص يعيش على هذه الأرض الخيرة أن يتمتع بالتعليم ويتوافر له العلاج أسوة بأقل الدول تطورا وتمدنا. وعليهم إعادة النظر في ذلك القانون المستحدث لكونه يتنافى مع أبسط حقوق الإنسان -حق التعليم-، وليعتبروه إحدى «الظواهر السلبية» التي بالفعل يجب محاربتها بدلا من إضاعة وقتهم بفستان هذه وحجاب تلك.
أصحاب النفوس الكريمة والأيادي السخية كثيرون في الكويت إن لم يكونوا أغلبية. وعندي قناعة تامة أن الكويت لم تنجُ من براثن الغدر في التسعينات إلا بكرم أهلها وبياض أياديهم. وأعرف تماما أن هناك الكثيرين ممن يمدون يد المساعدة لهؤلاء.. بل وهناك من يتكفل سنة بعد أخرى بتعليم شريحة من طلبة المدارس الخاصة من دون إعلان نفسه.. لكننا بحاجة إلى المزيد منهم.
* يا أهل الخير.. الامتحانات على الأبواب، ومعظم أقساط المدارس لا تتعدى 350 دينارا للطالب الواحد، أي بمعدل دينار يوميا. دينار واحد فقط يمكنك أن تحتسبه عند الله لإنقاذ طفل من الشارع وتعليمه وتأمين مستقبله وحمايته من الضياع. فإن تكفلت كل عائلة بطالب بدينار واحد في اليوم فلن يبقى لدينا أطفال يبيعون العلك في الشوارع.. فأسرعوا بديناركم إلى أقرب مدرسة خاصة وأنقذوا طفلا من شقاء الأزقة. جزاكم الله عنهم ألف حسنة.

ليست هناك تعليقات: