الجمعة، 28 نوفمبر 2008

غصصت بدمعي

غصصت بدمعتي.

سألتني : ألا تخافين أن لايرجع أولادك بعد انتهاء غربتهم الدراسية ؟
قلت: لا.. الحمد لله أن الكويت مازالت بيئة جاذبة، بخلاف معظم الدول العربية التي باتت مجتمعات طاردة لأولادها.
جرى هذا الحوار منذ زمن، وتذكرته منذ يومين، فيما كنت أشاهد مسرحية (قدام باب السفارة كان الليل طويل) للمبدعة نضال الأشقر التي أطلقت صرخة على مسرح المدينة في بيروت ضد الهجرة وتفريغ الوطن. المسرحية الرائعة والتي يمثل فيها ثلة من شباب وشابات لبنان الموهوبين، تحكي عن لبنان الصغير الذي لم يعرف كيف يحتفظ بأبنائه وظل يدفعهم للتهافت على أبواب السفارات للحصول على أي فيزا ، باتجاه أي بلد، للهرب من وطن غارق في الطائفية والمذهبية والفساد والفقر،حتى زاد عدد مهاجريه عن عدد قاطنيه .
صديقتي التي كانت تجلس إلى جانبي، وتتابع العرض مثلي، ظلت تسألني: "ما بك؟" غصصت بدمعتي والتزمت الصمت. لم أستطع أن أقول لها أني أخاف على أبنائي وأبناء الكويت أن ينتهوا مثل إخوتهم اللبنانيين واقفين على أبواب السفارات.
عدت للمسرحية.. أخذ الشباب والبنات يغنون:
نحنا المتروكين على بواب السفارات
زهقت منا السفارات
بتاخدنا وبتجيبنا
ذل بذل بذل بذل.
ألحت في سؤالي " لماذا كل هذا الحزن في وجهك؟ " غصصت بدمعة، ولم أستطع أن أقول لها أني أخاف على أولادي وأولاد الكويت من الهوان، كيف أشرح لها أن الكويت لا تملك جمال لبنان وأجوائه وخضرته وحريته التي قد تعيد إليها صغارها المهاجرين، وأن حديث الهجرة بات مألوفا على لسان جيل شبابنا هربا من بلاد بدأت تضيق بهم وبأرواحهم وأصواتهم ومطالبتهم بالحرية.
كيف أخبرها عن وضع الكويت الحالي، والجميع يحاول أن ينهش لحمها. وكيف أفسر حال مجلس الأمة ونوابه الذين انقلبوا على الأمة وتهديدهم اليومي بالاستجوابات و الإشاعات بحل المجلس. كيف أقول لها أن دستورنا أصبح لعبة بأيدي نواب الأمة وهم الذين أقسموا على حفظه وصونه، وأشرح لها الأزمة المالية وهبوط سعر برميل النفط ومستقبل أجيال الكويت القادمة، وأصوات التأجيج الطائفي والمذهبي والفرقة الاجتماعية، وتردي أوضاع البلد وتوقف مشاريع التنمية، وإيقاف النشاط الرياضي الكويتي دوليا، وتشويه وجه الديمقراطية الجميل، ومناوشات الصحافة والأقلام المأجورة لإشعال الفتنة، والإرهاب الفكري ومنع الكتب، ومحاسبة الوزراء والمال المهدور، وقوانين تكميم الأفواه وخطة إلغاء العقول....تخيلت أبنائي وأبناء الكويت وهم يقفون في طابور طويل على أبواب السفارات هربا من كل هذا الجحيم...
عندها.. لم أعد أغص بدمعتي، فلقد فرت دموعي من عيني حرقة على وطن كان جميلا.

الخميس، 6 نوفمبر 2008

لنعش "الآن"


لنعش«الآن»

كل يوم نقرأ شيئا جديدا عن سحر «الآن»، سر اللحظة الآنية التي نعيشها. حتى أن الفلاسفة والاجتماعيين يصرون على تعليمنا ان نلفظ الماضي ونؤجل المستقبل لوقته ونعيش لحظتنا. الماضي ذهب بأفراحه وأتراحه، والمستقبل لا يعلم به إلا الله، فلماذا نضيع وقتنا ونهدر طاقتنا بهما. علينا أن نعيش اللحظة.. تلك الدقائق المعدودات التي تسبح في ظرف الحاضر، لا ماضي ولا مستقبل. لو فكرنا في أجمل اللحظات التي تمر بنا سريعا من دون حتى ان نستوعبها، ودون أن نحس بمدى السعادة التي تمنحنا إياه، لحزنا على سذاجتنا وعلى تعلقنا بالماضي وقلقنا على المستقبل، أنا هنا لا أعطيكم دروسا بل أنا معكم أحاول ان أتعلم أن أعيش اللحظة، لذلك عصرت فكري واكتشفت أن من أجمل لحظات السعادة البسيطة التي تمر علي تأتي:
عندما أزور صديقة بعد طول غياب، فتستقبلني (خادمتها) بالأحضان صارخة: MADAM I MISS YOU
عندما أسمع كلمة «الله يرضى عليك» من فم أمي صباحا
عندما يبعث لي ابني المغترب برسالة هاتفية تقول «اشتقت لك»، من دون أن يكون مفلسا، وناويا أن يشحذ عاطفيا
عندما تصلني رسالة الكترونية من قارئ يعبر باحترام عن رأيه السلبي او الايجابي في مقال لي
।عندما تعانقني طفلتي وتضع رأسي على صدرها، لنتبادل الأدوار، فتصبح أمي وأنا ابنتها।
عندما ألتقي برجل عجوز، فأتحدث معه عن أي شيء وكل شيء।
عندما ألقى أطفالا يلعبون في الشارع، فأشاركهم اللعب فينظرون إلي شزرا وينهرونني
।عندما أصحو من نومي على صوت فيروز ممزوجا بصوت المطر
।عندما أجد بيتي مملوءا بأصدقاء جياع (بدون دعوة) ويطلبون مني إطعامهم।
عندما انظر في عيون أولادي।عندما أرمي نكتة (بايخة) وأجد كل من حولي (فطسان) من الضحك।
هكذا॥وبعيدا عن الأزمات الاقتصادية وويلات سوق الأسهم، وبعيدا عن الفضائح التعليمية ونجاح طالب طب (بالغصب)، وبعيدا عن أزمات مجلس الأمة والاستجوابات، وبعيدا عن حجاب الوزيرات (وبغض النظر عن حجاب الناخبات)، دعونا نبحث عن لحظة فرح لنعيشها॥ ولو بشق الأنفس।