السبت، 24 أبريل 2010

اغتصاب..اغتصاب...اغتصاب

اغتصاب.. اغتصاب.. اغتصاب

كتب دلع المفتي :


«في بلادي تنام الصغيرات مع الموت على سرير واحد» هذا ما كتبه صديقي الكاتب اليمني ماجد المذحجي، مختصرا وجعه ووجع الكثيرين الذين هالهم ما حصل لإلهام.
إلهام طفلة يمنية ماتت بعد ثلاثة أيام من زواجها بسبب نزيف حاد وتمزق في أعضائها التناسلية بسبب الجماع الذي قام به وحش بشري (زوجها) بمساعدة منشط جنسي بعد ربطها على كرسي. لكن إلهام ليست وحيدة فهناك «نجود» و«نجاح» و«أروى» و«أحلام» و«ريم»، والآلاف غيرهن على قائمة «عرائس الموت» في مجتمعات مريضة تتمسك بعادات بالية وتفسيرات خاطئة للدين.
زواج القاصرات جريمة ترتكب يوميا بحق الطفولة في مجتمعاتنا، فهو يحرم الفتاة من التمتع بطفولتها، ومن إكمال تعليمها، ويجبرها على الخضوع لرجل (غالبا ضعف عمرها أو أكثر) فارضا عليها تحمل مسؤولية أسرة وأطفال فيما هي مازالت طفلة مثلهم. كما ان الزواج المبكر يعطل التطور الطبيعي لجسم الفتاة وعقلها مما يسبب اختلالات جسمانية ونفسية خطرة. ونحن إذ ندرك أن تلك الممارسات الوحشية لا تقتصر على مجتمعاتنا ولا على أهل ديننا فقط، بل تتم ممارستها في الكثير من الدول، لكن عندما تحصل هناك تسمى اغتصاباً، وتعتبر جريمة يعاقب عليها القانون، أما عندنا، وللأسف، فإنها تقع تحت مفهوم «الزواج الشرعي» فيتم اغتصاب الصغيرات وانتهاك براءتهن وتمزيق أجسادهن، تحت أعين ونظر ومباركة رجال الدين والقانون.
قال الشيخ علي جمعة مفتي مصر «زواج القاصرات يعتبر استغلالا جنسيا للأطفال، ويجب معاقبة من يفعله أو يقوم به، سواء الأبوان أو المحامون أو الوسطاء، وأن الأب الذى يزوج ابنته القاصر لرجل في عمر جدها يعتبر (فاسقا) وتسقط ولايته على أبنائه».
نحن بحاجة للمزيد من هذه الأفكار النيرة والواعية التي تنتشلنا من الجهل والتخلف، ونحتاج إلى المزيد من الشجاعة من قبل شيوخ الدين كي يتم ردع ضعاف النفوس عن ارتكاب تلك الجرائم بحق الطفولة.. ونطالب علماءنا بالبحث في قضايا أمتنا الحقيقية والاهتمام بمستقبل أجيالنا، وتحريم زواج القاصرات، بدلا من انشغالهم بفتاوى تحريم الموسيقى والرياضة وتزيين صور الحور العين أمام أعين مراهقي الإرهاب.
ذلك أيضا غير كاف.. فمجتمعاتنا تحتاج أيضاً، وبشكل سريع، إلى وضع قوانين مدنية حازمة، تحد وتمنع وتعاقب أصحاب الرغبات المريضة، وتعمل على إقرار حد أدنى لسن الزواج وتحارب التجارة بالأطفال من قبل آبائهم وذويهم.. فبغياب قانون يردع وفتوى تحرم سيظل هؤلاء الوحوش يعيثون فسادا في أجساد الصغيرات.
سؤال أخير: هل ممارسة الجنس مع طفلة يعتبر اغتصابا، وممارسة الفعل نفسه مع الطفلة القاصر بإذن والدها وبعقد بيع (بموافقتها أو من دون موافقتها) يسمى زواجاً..؟
إن انتهاك براءة الأطفال سواء تحت ستار الزواج او غيره، هو اغتصاب.. اغتصاب.. اغتصاب
.

الجمعة، 16 أبريل 2010

«يلا صبوا هالقهوة وزيدوها هيل»


(ردا على «خدري الشاي خدريه»)
كتب الدكتور ساجد العبدلي مقالا ظريفا في «الجريدة» بعنوان «خدري الشاي خدريه» عن مشروبه المفضل، الشاي، معددا فوائده ساردا مناقبه مادحا ألوانه شاكرا فضله، ذاما مستهزئا ساخرا من القهوة. وعلى غرار تلك المعارك الكلامية التي يقوم بها بعض الكتاب في الصحف المختلفة بعضهم ضد بعض، ارتأيت ان من واجبي ان اشنها حربا، واكتب ردا حازما لازما على مقال الدكتور دفاعا عن محبوبتي «القهوة»، التي غنت لها سميرة توفيق «يلا صبوا هالقهوة»، وبغمزة من عينها الكحيلة دفعت اكبر محبي الشاي إلى استبداله بالقهوة.
يختلف الناس في نوع القهوة التي يفضلونها، فالبعض معتاد على القهوة العربية والآخر على التركية، ناس يفضلونها أميركية، وآخرون يحبونها ايطالية أو فرنسية، البعض يحب القهوة حلوة، وبعضهم يحبها مرة، منهم من يحبها سمراء وآخر يحبها شقراء (مازلنا نتكلم عن القهوة هنا). لكن من المؤكد ان جميعهم يعشقون مذاق فنجان قهوة الصباح الساخنة المتصاعد بخارها المنتشر عبيرها، فالقهوة مفتاح النهار كما سماها محمود درويش. وقهوة الصباح مختلفة عن قهوة المساء، كما ان قهوة الفرح غير قهوة العزاء، وقهوة اهلا وسهلا غير قهوة مع السلامة. بيد ان اخطر انواع القهوة هو القهوة التي كتب عنها مريد البرغوثي: «ان قال لك زائر الفجر وهو ينتزعك ويقتادك بلطف رسمي وابتسامة مسلحة، (نريدك على فنجان قهوة عندنا)، فهذا احد انواع الخطف.. فالغبي هو من يطمئن لقهوة الحكومة»..!
وللقهوة فوائد كثيرة بخلاف اهميتها في تنشيط المخ وتحسين المعنويات و «ترويق» الاعصاب، كمحاربة بعض الامراض، ومكافحة الشيخوخة والخرف وداء الباركينسون. لكن اهم ما في القهوة هو التوقيت، فللقهوة توقيت مهم، ويجب توافرها حال احتياج الجسم لها (البعض يسمي هذا ادمانا). ومع اني احب ان اعمل كل شيء بنفسي، غير انه عندما يحين موعد قهوتي.. احب ان تقدم لي في فنجان جميل مع كأس من الماء فيها قليل من «ماء الزهر» ووردة في مزهرية صغيرة ان امكن. وللقهوة طقوس ويلزمها رفيق، فليس من المحبب شرب القهوة لوحدك وانت منعزل، ابحث عن صديق لتشربها معه، وان لم تجد فارفع سماعة التلفون واتصل بأحدهم وارتشف قهوتك وانت تحادثه.. فالصحبة كالهيل تعطي للقهوة مذاقا خاصا.
وللامتناع عن القهوة آثار جانبية مزعجة.. لن اعددها (منعا من شماتة البعض) وسأكتفي بسرد قصة (والشاطر يفهم): في يوم من ايام رمضان الطويلة والحارة توجهت لشراء القهوة. كان الصوم قد هد حيلي وجفف ريقي.. دخلت المحل، واذ برائحة القهوة تقتحمني وتكسر آخر دفاعاتي. وجدت نفسي وقد استنفرت حواسي واعصابي، وكدت أتعارك مع الموظفين والعاملين، وحتى مع هواء المحل من دون اي سبب، وعندما استرددت ما تبقي لي من اعصاب، تداركت نفسي واعتذرت للموظفين الذين كانوا متفهمين جدا لحال الجنون المؤقت التي انتابتني بعيدا عن فنجاني الحبيب، فابتسموا لي طالبين مني في المرة القادمة الحضور الى محلهم بعد الفطور..!
***
نكشة: في خضم بحثي عن مثالب القهوة، وأنا اكتب هذا المقال، وارتشف فنجاني الثاني من مشروبي المفضل، وجدت هذه المعلومة عند العم «غوغل»: دراسة علمية اظهرت ان للقهوة فوائد صحية عديدة في مقاومة الانتحار! أليس هذا وحده سببا مقنعا لنفضل القهوة على الشاي في بلادنا يا دكتور؟

الجمعة، 26 مارس 2010

داء الخرس الزوجي

داء (الخرسوفينيا).
الخرس الزوجي

أحاول جهدي مقاومة الدخول في المواضيع الساخنة والتي نالت حقها في النقاش كملابس الرياضة النسائية وحدودها الشرعية، والتهجم على الليبراليين والليبراليات، وفتاوى (التيك اوي)..وذلك خوفاً من ارتفاع مشاعر اليأس والإحباط عندي، وخوفاً على نفسي من أن أقتنع بأننا ننفخ في قربة مخرومة. وحتى يأذن الله و نجد مفهوماً موحداً يتفق عليه الجميع حول الليبرالية، وعلى سبيل التغيير سأتحدث عن النكد الزوجي فهو ارحم وأخف وأهضم. فإليكم هذا الحوار:

- مازلت زعلانة من زوجك؟؟

- .............!!

- هل هناك امرأة أخرى؟؟

- لا لا لا لا

- إذن..ما عندك سالفة..والحق عليك.

- كيف؟؟ وهل لا يوجد خلاف بين الرجل وزوجته إلا على امرأة أخرى؟؟

- حين لا يكون في الجو امرأة أخرى ، فكل المشاكل الأخرى محلولة وغالبا الحق عليك.

- كيف يمكنك أن تكون متأكد أن الحق علي وأنت لا تعرف ما المشكلة أصلا، وهو (أبكم) لا يتفوه بكلمة لأحد؟؟

- الرجل لا يسكت إلا عندما يشعر انه مظلوم.

- سكوته هو أصل المشكلة. أحيانا أشعر أنه مصاب بداء (الخرسوفينيا) وهو اسم ابتدعته انا من كثرة ما يقتلني سكوته.

- الرجل يسكت عندما لا يجد شيئا نافعا معها.. فيختصر على نفسه كثر اللغو .

- هل هو طبع عام في الرجال جميعا؟؟

- لا.. الرجل المحترم هو الذي يسكت، أما الغوغاء فهم لا يسكتون، وصراخهم يسمعه الجيران.

- ولماذا لا يشتكي؟؟ لماذا لا يعترض؟ لماذا السكوت إذا؟؟

- هذه وسيلة الرجل السلمية للاحتجاج المدني وهي أرقى وسيلة للاعتراض.

- طيب والحل؟؟

- لا حل. المشكلة أن الرجل يعامل المرأة كما يعامل رجلا مثله، بينما المرأة تريده ان يعاملها مرة كطفلته المدللة ومرة كنّد له، ومرة كمتفوقة عليه، ومرة كضعيفة مستكينة، وهكذا تضيع الحسبة عند المسكين فيخلط الأدوار.

- نهايته؟؟؟

- لا نهاية في الأفق يا عزيزتي...سيظل الأزواج يتشاجروا على مواضيع تافهة، وستظل الزوجات تتفنن في طرق (الزعل والحرد)، وسيظل الأزواج يخترعون طرقا جديدة للصلح....!!

وتوتة توتة..ولن تخلص الحتوتة...!!

الأربعاء، 24 مارس 2010

في عيد الأم..رسالة إلى أبي

في عيد الأم...رسالة إلى أبي
على روزنامة الاحتفالات، هناك يوم للأم ويوم للشجرة ويوم للحب ويوم للعمال وأيام لمناسبات كثيرة أخرى..لكن ما من يوم للاحتفال بالأب. أليس للأب فضل في وجودنا في هذه الحياة، حتى نتذكره بكلمة عرفان؟ ألا يستحق كرم الأب وعطاءه أن نخصص له يوماً في العام نقدره ونحتفل به؟ ألا تستحق الأبوة التقدير؟
عذرا..لكنني أرى أن الأب لا يقل قدرا وقيمة وفضلا عن الأم، بل لا ينقص دوره في الحياة الأسرية أهمية عن دورها، ولا اعتقد أنه من المقبول ان نبخسه حقه.. لذلك أريد الاحتفال بالآباء عموماً، وبأبي خصيصاً، كيدا بمن نسي أو تناسى أهميتهم..
كيدا بالغياب.. وكيدا بالموت أريد ان احتفي بك يا أبي. فعلى الرغم من السنوات التي مضت على رحيلك، مازلت أفتقدك واشتاق لحضنك الدافئ وقلبك الحنون، اشتاق لسماع صوتك ورؤية تقطيبة حاجبيك، أشتاق لأن أتفرج عليك وأنت تثور و تفور و تغلي، ثم تهدأ كطفل صغير. اشتاق لرائحة عطرك كل صباح أثناء استعدادك للذهاب إلى عملك وأنت تصفر بألحان فيروزية، أشتاق لخشونة شاربيك على خدي وانت تقبلني، ليدك تمسك ذقني كي تسرح شعري. أشتاق لرائحة تبغك وقهوتك، لمناقشاتك واستجواباتك، لجرائدك وكتبك التي تحمل رائحة أنفاسك.
أنا كبرت، أولادي كبروا، وكذلك العالم من حولي كبر يا أبي، ورغم ذلك مازلت طفلتك ومازلت بحاجتك. مازلت أسمع صدى ضحكتك كلما رددت على مسامعك "هذا أسعد يوم في حياتي" التي كانت تتكرر يوميا. مازلت أرى نظرة إعجابك بمنطقي حتى حين تحاول جاهدا أن تخفيها. مازلت أنتظرك كما كنت أنتظرك طفلة، لتجدني خلف الباب أتظاهر بالنوم حتى أتمتع بدفء حضنك وأنت تحملني وتضعني في سريري. غادرتنا مبكرا.. كيف غلبك المرض وأنت الشديد القوي الذي لا يضعف؟ كيف قهرك الموت وكنت أظنك لا تقهر. عشت لنا وبنا، ولم تترك خلفك إلا كومة حب بامتداد قامتك..
اعذروني، سأستلف من يوم عيد الأم لحظة، أقول فيها لكل الآباء كل عام وأنتم بخير، أطال الله في أعماركم وأبقاكم ذخرا وسندا وقلبا لعائلاتكم، وإلى أبي ومن رحلوا من الآباء.. نفتقدكم.. تغمدكم ربي برحمته وجمعنا بكم في نعيم جناته.

الاثنين، 15 مارس 2010

ما هذا الجنون يا أبو ظبي؟؟

<ربع مليون زائر، نصف مليون عنوان، أكثر من 840 دار نشر،أكثر من 150 فعالية شارك فيها أكثر من ألف ضيف في معرض أبوظبي للكتاب الذي أصبح يعد من أهم المعارض الدولية.. وكل هذا من دون حسيب أو رقيب...تخيلوا..!!
فوجئت بالعدد الهائل من الكتب التي كنت أبحث عنها، وبالطبع لا أجدها في معرض الكويت للكتاب، ولأني غريرة وتعودت على الرقابة، سألت، فقيل لي انه لا رقابة على الكتب في أبوظبي. طبعا لم أصدق الخبر، ولابد من البحث والتمحيص، فتوجهت بالسؤال لصاحبة دار الآداب السيدة إدريس. فأجابتني «في معرض أبوظبي.. لا ممنوع ولا رقابة».
يا للهول..!! أيعقل هذا يا أبوظبي؟ ألا تخافون على أهلكم وناسكم من الكتب؟ ألا تقلقون على صحة العقول، وهوى النفوس الضعيفة، وقدرة السموم المدسوسة بين السطور على أن تصيب من يقرأها بالضرر الجسيم؟ أليس بينكم أولياء أمر وأوصياء يحددون لكم الغث من السمين، والمفيد من المضر، والصحيح من الخطأ.. كما يفعلون عندنا؟
فعاليات لا تحصى: جلسات للناشرين، محاضرات ونقاشات وقراءات شعرية، حفلات توقيع كتب، أنشطة فنية وتشكيلية وموسيقية، جائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة «البوكر» للرواية العربية، وسائل الإعلام مستنفرة بالكامل، صحافة وإذاعة وتلفاز (معارضنا ومهرجاناتنا الثقافية تبدأ وتنتهي وكأنها سر حربي لا يعرف عنها احد).. طقس احتفالي أشبه بالجنون. لماذا كل هذا الهدر والتبذير، من أجل ماذا؟ من أجل الكتاب، من أجل الثقافة «السلعة المضروبة»؟
لم يتوقف الضرر عند هذا الحد.. فلقد رأيت في ما رأيت حافلة عامة (باص).. كتب عليه «المكتبة الوطنية المتنقلة». ركبت الحافلة، وجدت رفوفا من الكتب المتنوعة وأطفالا افترشوا الأرض التي زينت ورتبت بعناية لاحتضانهم. صدمت.. حتى الأطفال لم ينجوا من دهائكم؟ تسيرون حافلة في شوارع ومناطق أبوظبي البعيدة ليصل الكتاب لأفقر الأحياء وإلى أقل الناس قدرة على الوصول إلى المكتبات؟ ألا تعرفون خطر الكتاب على عقول الناشئة؟ ألا تخافون عليهم حين يرتفع منسوب تفكيرهم، وربما -لا سمح الله- منسوب ذكائهم؟
الأدهى هو ذلك الصالون الأدبي الذي أقامته سيدة إماراتية راقية في وسط معرض الكتاب لاستضافة الأدباء من مختلف دول العالم وبمختلف تخصصاتهم وتوجهاتهم.. شعراء ونقاد وروائيين وفنانين وناشرين. احترت في أمر هذه السيدة الرائعة ورحت أهذي: «ما لك ومال الثقافة والأدب وهّم القلب يا سيدة أسماء صديق؟ ألم يكن أفضل لك أن تنشغلي بالموضة والأزياء والعزايم والولائم حال معظم السيدات؟».
في النهاية لا أقول إلا.. يا حسرة علينا وعلى معارضنا وعلى مهرجاناتنا وفعالياتنا.. فلقد أوجعني قلبي من المقارنة. وإلى أهل أبوظبي.. سيروا في طريقكم وعين الله ترعاكم «وعيوننا تغبطكم».

دلع المفتي
dalaa@fasttelco.com

القبس الكويتية

الخميس، 25 فبراير 2010

(غولة) على الطريق السريع

نعم.. هناك فساد، رشوة، واسطة، هدر، خنق للحريات، تعطيل للتنمية، تعصب، تطرف.. لكن، إلى جانب كل هذا ما زال فيها -أيضا- انفتاح، تطور، عدالة، حرية، فرح، وفاء، وحب الخير.. هناك شباب طائش، اتكالي، مستهتر، لا مسؤول، لكن هناك أيضا شبابا ناضجا، واعيا، متفتحا يتمتع بروح الشهامة والكرم، يمد يد العون ويغيث المحتاج.. وما زال فيها سماء زرقاء وبحر بلون الفيروز وشمس ساطعة. هذه هي الكويت جامعة الأضداد.. ولو خيروني بينها وبين بلاد العالم جميعا لما اخترت غيرها وطنا وحضنا!
قبل ثورة التكنولوجيا، وقبل ظهور الهواتف المحمولة، كنت في طريقي إلى عيادة الأسنان لعلاج سن انكسرت وأنا أمضغ «الأرز». وقتها كنت قد وضعت طفلي الأول منذ أسابيع، واضطررت إلى تركه مع أمي لضرورة الحالة، فالسن المكسورة كانت أمامي (يعني في الواجهة تماما)، وخفت ان ينظر إليّ ابني فيعتقد أن أمه «غولة». المهم.. تعطلت سيارتي في منتصف الطريق السريع، حيث لا طير يطير ولا إنس يسير، ولا سامع صوت. نزلت من سيارتي -باعتباري «فاهمة»- لأستطلع الأمر، وإذ بسيارة صغيرة تقف وينزل منها شابان: «الله بالخير».. «الله بالنور.. خير؟»، ومن تعابير وجهي فهما اني «مثل الأطرش بالزفة»، وبشهامة تبرعا للكشف عن عطل السيارة. دقائق وظهرت النتيجة: «ما في مشكلة بس «البنزين» مخلص». طبعا تمنيت لو الأرض تنشق وتبلعني لأخفي حرجي وغبائي و«سني المكسورة».
إسعافا للحالة توجه الشابان إلى محطة الوقود وعادا بقارورة بنزين، لكن عملية ضخ البنزين في السيارة لم تنجح وتعرض احدهما لحالة تقيؤ بعد أن بلع نصف الكمية وهو يحاول ان يشفط من القارورة ليضخ في الخزان. لم يكن أمامهما إلا حل واحد: «لماذا لا تأتين معنا في سيارتنا لنوصلك إلى المكان الذي تريدينه؟». عرضهما الكريم أحرجني، ضعت بين تخوفي من مرافقة شابين لا اعرفهما، وبين وقوفي وحيدة في منتصف الشارع، وبين ابني الذي ينتظر مورد رزقه، مستذكرة كل الحوادث والجرائم التي نقرأ عنها في الصحف.. لكني قلت لنفسي «أحسني النية وتوكلي على الله». نظرت إلى الشابين وقلت لهما «انا مرضع ولدي ساعتان فقط، يجب أن أصل الى العيادة، ومن هناك أستطيع الاتصال بزوجي ليعيدني».
ركبت السيارة مع الشابين وصوت يهمس لي «يا متهورة كيف تركبين السيارة مع من لا تعرفين.. يا غبية كيف لم تنتبهي لمؤشر البنزين؟». أعتقد أن الشابين كانا على يقين أنه لا يمكن إلا «لمجنونة» ان تفعل ما فعلت، وربما كان لمظهر «الغولة» علاقة بالأمر..! وصلت إلى موعدي، وعولجت سني، وخرجت من العيادة لأبحث عن هاتف أتصل منه بزوجي، وإذ بالشابين جالسين في غرفة الانتظار. نظرت إليهما بدهشة، فقالا: «لا يعقل أن نترك الطفل الرضيع ينتظر أمه.. يلا.. نحن سنوصلك إلى البيت».
وبكل هدوء رافقتهما، وأنا أكاد لا أصدق حجم العناء الذي تكبده الشابان من اجل أم بضرس مكسور لا يعرفانها. وصلت إلى المنزل وأنا عاجزة عن التعبير عن امتناني وشكري لتعبهما معي، وعاد الصوت يهمس لي.. أين في غير الكويت تجدين مثل هذه اللهفة الحنونة؟!
نعم، هذه هي الكويت التي أحب.. فيا أم الخير كل عام وأنت وطن.

الأربعاء، 13 يناير 2010

شكرا

شكراً


كثيرة هي القضايا المسكوت عنها في العالم العربي، وعندما يلامس مقال جرحا نازفا نجد أن ردود الفعل عليه من القراء تفوق كل التوقعات. احدى تلك القضايا التي يفضل «الكثيرون» عدم الاقتراب منها هي قضية مسيحيي الشرق. ومسيحيو الشرق (العرب)، كما نعلم، هم أهل تلك البلاد، ليسوا مهاجرين ولا لاجئين، بل هم في بعض الدول السكان الأصليون. وفي الوقت الذي يطالب فيه مسلمو المهجر الحكومات الغربية بإتاحة حرية ممارسة شعائر دينهم بكل تفاصيلها، يقبع مسيحيو بعض الدول العربية تحت قوانين وأعراف ظالمة تحرمهم في بعض الأحيان من أبسط حقوقهم ألا وهو حق العبادة، وتبدو هذه الازدواجية في أوضح مظاهرها، حين يطالب المسلمون الآخرين بتطبيق قوانين العلمانية التي يهاجمونها ليلا ونهارا كما حدث في موضوع مآذن سويسرا.
الحقيقة أني فوجئت بالصدى الذي أحدثه مقالي (هل نسيتم أجراس الكنائس) الذي نشر في القبس 3/12/09 فقد تمت ترجمته لعدة لغات، كما نشرته عدة صحف عالمية منها le temps السويسرية، هذا عدا عن مناقشته في الكثير من المواقع والمنتديات الالكترونية العربية والأجنبية. لكن حتى أكون صادقة مع نفسي فلست الوحيدة التي كتبت عن مآذن سويسرا بذاك المنظور، ولم أكن الأولى ولن أكون الأخيرة في انتقاد منطقنا الذي يعرف «الذي له» ولا يعرف «الذي عليه»، لكن كان لمقالي الحظ الأكبر في الانتشار لأسباب أجهلها لكني أشكرها.
الغريب في الموضوع هو كم الرسائل التي وصلتني من أنحاء مختلفة من العالم، من بينها الشاكر والشاكي والساخط والعاتب والمهاجم والشاتم، لكن الأغلبية الساحقة من الرسائل كانت من مسيحيي بعض الدول العربية، أولئك الذين يعانون الغبن والظلم وتضييق الخناق عليهم وتغريبهم، وكل ذنبهم هو عقيدتهم، ولا شيء أصعب وأبشع من أن يشعر الإنسان بالغربة في وطنه. كما أن الكثير من الرسائل كانت لعرب مهاجرين في بلدان الله الواسعة عبروا فيها عن ألم الفراق الذي تكبدوه من أجل أن يمارسوا شعائر دينهم بحرية ومساواة مع باقي الأديان.
لكن أكثر الرسائل الموجعة وصلتني من مسيحيي العراق الذين لم يتبق منهم الكثير إثر تعرضهم للتهجير والترحيل بعد أن أحرقت كنائسهم واغتيل قساوستهم على يد صبية الإرهاب الأعمى. فبعد أن قاسوا ما قاسوه يئس الكثير منهم واستسلموا ليختاروا الهجرة عن أوطانهم والرحيل إلى حيث يستطيعون أن يفخروا باختلافهم وبدينهم ومرجعيتهم من دون تهديد ووعيد.
إلى جانب ذلك الكم من الرسائل التي تجاوزت الـ 300، وصلتني رسالة من قارئ كان سعيدا أن يلقب نفسه بـ «إرهابي متعصب» وكتب ما يعف قلمي عن تكراره، لكن ما جعلني متفائلة أن نسبة تلك النوعية من الرسائل لم تزد على الواحد في المائة.

شكرا
اليوم نطوي سنة ونستقبل أخرى.. هي أيام راحت وتحسب من أعمارنا، فدعونا نستمتع بكل دقيقة تمر علينا ونحتفي بالحياة.. فما زال هناك ما يستحق ان نحتفل به.
ولقرائي الأعزاء.. غمرتموني بمحبتكم، فألف شكر لكل من كتب لي وراسلني وبعث وعلق ولو بكلمة شكر أو عتب... ممتنة لكم فلولاكم ما كتبت. وكل عام وأنتم بحب.